أبو نصر الفارابي
28
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
بل يكون هناك موجود آخر أقدم منه هو سبب لوجوده ؛ وذلك محال « 1 » . وإن كان ذلك الآخر هو الذي فيه ما باين به هذا ، ولم يكن في هذا شيء يباين به ذلك إلا بعد الشيء الذي به باين ذلك ، لزم أن يكون الشيء الذي به باين ذلك الآخر هذا ، هو الوجود الذي يخص ذاك . ووجود هذا مشترك لهما ، فإذن ذلك الآخر وجوده مركب من شيئين : من شيء يخصه ، ومن شيء يشارك به هذا . فليس إذن وجود ذاك هو وجود هذا ، بل ذات هذا بسيط غير منقسم ، وذات ذلك منقسم . فلذلك إذن جزءان بهما قوامه . فلوجوده إذن سبب « 2 » فوجوده إذن دون وجود هذا وأنقص منه . فليس هو إذن من الوجود في الرتبة الأولى . وأيضا ، فإنه لو كان مثل وجوده في النوع خارجا منه بشيء آخر ، لم يكن تام الوجود ، لأن التام هو ما لا يمكن أن يوجد خارجا منه وجود من نوع وجوده ، وذلك في أي شيء كان ؛ لأن التام في العظم هو ما لا يوجد عظم خارجا منه ، والتام في الجمال هو الذي لا يوجد جمال من نوع جماله خارجا منه ، وكذلك التام في الجوهر هو
--> ( 1 ) وإذا وجد إلهان متباينان كانا مركبين من جزء يشبه به كل منهما الآخر ومن جزء يخالفه . وكل مركب يحتاج إلى مركب أو سبب ولم يعد إليها . ( 2 ) وإذا وجد إله بسيط وآخر مركب من جزء يشترك به مع البسيط وجزء مباين ، كان ذلك الآخر منقسما وأدنى رتبة من هذا البسيط لأنه مركب وكل مركب يحتاج إلى سبب يركبه .